5

طارق غيّر وظيفته ست مرات في سبع سنوات. مهندس. مدرّس. مصور. سائق توصيل (لثلاثة أشهر فقط — "أردت أن أعرف كيف تبدو المدينة من هذه الزاوية" قال). مدير تسويق رقمي. وأخيراً — الآن — يدير رحلات تخييم في صحراء وادي رم في الأردن.

سألت أمه — أم طارق — مرة حين كنا عندها على الغداء في عمّان: "ما بتزهقي من تغييراته؟" نظرت لي من فوق صحن المنسف وقالت بهدوء: "يا بنتي أنا زهقت من زهقه. بس هاد طارق — ما بقدر أحبسه. مثل الهوا."

مثل الهوا. وصف أدق من أي كتاب علم أرقام قرأته.

لماذا ٥ لا يستقر

الرقم ٥ يقع في منتصف السلسلة — ١ إلى ٩ — وهو تماماً كذلك: ‌نقطة المنتصف. المحور. المكان الذي يتغير فيه ​كل شيء. ليس بداية ولا نهاية بل ‍تحوّل دائم. والأشخاص الذين يحملون هذا الرقم ⁠يعيشون حياتهم كأنها سلسلة تحولات لا تنتهي.

الحواس ​خمس. الأصابع خمس. الصلوات خمس. الرقم ٥ ‌مرتبط بالتجربة الحسية — باللمس والتذوق والسمع ⁠والشم والرؤية. أصحاب ٥ يريدون تجربة كل شيء. ليس القراءة عنه — تجربته. فرق.

طارق ‌ما كان يقرأ كتباً عن التخييم في ​الصحراء. راح الصحراء. نام تحت النجوم. تجمّد ‍من البرد. اتلسع من عقرب (نعم — ⁠عقرب حقيقي. الندبة على كاحله اليمين دليل ​دائم). وبعدين قرر يشتغل في هالمجال.

المشكلة الحقيقية ‌ليست التغيير

أغلب المواقع تقول: "مشكلة ٥ إنه ⁠ما يلتزم." هذا نصف الحقيقة. النصف الآخر: ٥ يخاف أن الالتزام يعني الموت. ليس ‌الموت الجسدي — موت الروح. أن يُحبس ​في مكتب. أن يُكرر نفس اليوم ألف ‍مرة. أن يصبح مثل — والكلام كلام ⁠طارق مش كلامي — "مثل ساعة حائط ​تدور بنفس السرعة بنفس الاتجاه لنفس السبب ‌كل يوم."

والخوف هذا ممكن يدمّر أشياء جميلة. ⁠علاقات حقيقية تنتهي لأن ٥ يحس بالاختناق بعد ستة أشهر. وظائف ممتازة تُترك لأن ‌"الفضول انطفأ." صداقات تبهت لأن ٥ انتقل ​لمدينة جديدة — مرة ثانية.

هدى — صحفية ‍مستقلة من القاهرة — قالت لي في ⁠مقهى في وسط البلد مارس ٢٠٢٣: "أنا ​عندي مشكلة. كل ما أبقى في مكان ‌أكثر من سنة أحس إن الجدران بتضيق. ⁠مش مجازياً — حرفياً أحس ضيق في صدري." رقم مسار حياتها: ٥. كالعادة.

٥ في العلاقات

مثير. مغامر. ‌غير متوقع. أول ستة أشهر مع ٥ ​تكون مثل فيلم أكشن — كل يوم ‍مختلف وكل لحظة مفاجأة. المشكلة تبدأ بعدها. ⁠حين يتحول الحب من مغامرة لحياة يومية ​— ٥ يبدأ بالتململ. يبحث عن إثارة. ‌ليس بالضرورة شخص آخر — بل شيء ⁠آخر. رحلة. مشروع. فكرة مجنونة الساعة ٢ الليل.

التوافق الأفضل: مع الرقم ١ — لأن كلاهما يحب الاستقلال. ومع ‌الرقم ٣ — لأن حماسهم المشترك يخلق حياة ​ملونة. الأصعب: مع الرقم ٤ — لأن ٤ ‍يريد استقراراً و٥ يعتبر الاستقرار سجناً مزخرفاً.

نصيحة للرقم ٥

الحرية ⁠الحقيقية ليست الهروب من كل شيء. الحرية ​الحقيقية أن تختار شيئاً واحداً — واحد ‌فقط — وتبقى فيه ليس لأنك مجبر ⁠بل لأنك قررت. الفرق بين السجين والراهب: كلاهما في غرفة واحدة. أحدهم مُجبر والآخر ‌مُختار. القيد واحد. النيّة مختلفة.

طارق — بعد ​ست وظائف وثلاث مدن — وجد شيئه ‍أخيراً في صحراء وادي رم. ليس لأنه ⁠توقف عن التغيير — بل لأن الصحراء ​نفسها تتغير كل يوم. كل شروق مختلف. ‌كل مجموعة سياح مختلفة. كل ليلة نجوم ⁠مختلفة. وجد ثباتاً في مكان لا يثبت فيه شيء. وهذا — ربما — أذكى ‌حل لمعضلة الرقم ٥.

طارق قال لي وهو ​يشعل النار في المخيم ذلك المساء: "الناس ‍يفتكروا إنني أهرب. أنا ما أهرب — ⁠أنا أبحث. والفرق إن الهارب ما يعرف ​وين رايح والباحث عنده سؤال بس ما ‌لقى جوابه بعد."

هل أنت مغامر بطبيعتك — ⁠أم تتعلم المغامرة؟
رقم مسار حياتك يكشف الفرق.

احسب رقمك ←

الرقم ٥ يذكّرنا بشيء ننساه كلنا وسط الروتين: ‌الحياة قصيرة جداً لتقضيها في مكان واحد ​تفعل شيئاً واحداً تفكر بطريقة واحدة. لكنها ‍أيضاً قصيرة جداً لتقضيها هارباً من كل ⁠شيء. المكان الجميل — لكل الأرقام وليس ​٥ فقط — في مكان ما بين ‌الاثنين.